المناوي

422

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

والتّعصّب يصنع العجائب ، نعم ، هم قائلون بأنّ واجب الوجود هو الوجود المطلق ، ومبنى طريقهم على ذلك ، وقد تكلّم معهم في ذلك المحقّق التّفتازاني والسيّد الجرجاني ، وأطنبا في الردّ عليهم ، لكنّه - أعني السيّد الشّريف - في حاشية « شرح التجريد » « 1 » اضطرب ، وقد اعتذر حجّة الإسلام عمّن أوهم كلامه الاتحاد من القوم ، فقال : إنّهم لم يروا في الوجود إلّا الواحد الحقّ ، وصار لهم ذلك حالا ذوقيّا ، وانتفت عنهم الكثرة بالكليّة ، واستغرقوا بالفردانيّة المحضة ، واستغرقت فيها عقولهم ، وصاروا كالمبهوتين ، ولم يبق فيهم متّسع ، فلم يكن عندهم إلّا اللّه ، فسكروا سكرا وقع دون سلطان عقولهم « 2 » ، فقال بعضهم : أنا الحقّ . وقال الآخر : سبحاني ، ما أعظم شأني . وقال الآخر : ما في الجبّة إلّا اللّه ، وكلام العشّاق حال السّكر يطوى ولا يحكى ، فلمّا خفّ سكرهم ، وردّوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في الأرض ، عرفوا أنّ ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد ، بل يشبهه ، كقول العاشق حال عشقه : أنا من أهوى ومن أهوى أنا ولا يبعد أن يفجأ الإنسان مرآة ، فينظر فيها ، ولم يكن رأى المرآة قطّ ، فيظنّ أنّ صورته التي يراها في المرآة هي صورة المرآة متّحدة « 3 » بها ، ويرى الخمر في الزّجاج فيظنّ أنّ الخمر لون الزّجاج ، فإذا ألف ذلك ورسخت قدمه استهتر ، وقال « 4 » :

--> الذهبي في العبر 5 / 367 : أحد زنادقة الصوفية . ( 1 ) كتاب تجريد الكلام لنصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد الطوسي المتوفى سنة 672 ه ، وهو على ستة مقاصد الأول : في الأمور العامة ، والثاني في الجواهر والاعراض ، والثالث : في إثبات الصانع وصفاته ، الرابع : في النبوة ، والخامس : في الإمامة ، والسادس : في المعاد . . له شروح عدة ، وعليه حاشية عظيمة للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني ، وقد اشتهر هذا الكتاب بين علماء الروم بحاشية التجريد ، والتزموا تدريسه . كشف الظنون 346 . ( 2 ) في المطبوع : وقع سلطان عقولهم . ( 3 ) في ( ب ) : متجسّدة . ( 4 ) البيتان للصاحب ابن عباد ، الديوان صفحة : 176 .